أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

370

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

1595 - عيرانه سبح اليدين شملّة * عبر الهواجر كالهزفّ الخاضب « 1 » وقوله : حَتَّى تَغْتَسِلُوا كقوله : « حتى تعملوا » فهي متعلقة بفعل النهي . قوله : « أَوْ عَلى سَفَرٍ » في محلّ نصب عطفا على خبر « كان » وهو « مَرْضى » وكذلك قوله : « أَوْ جاءَ أَحَدٌ » « أَوْ لامَسْتُمُ » وفيه دليل على مجيء خبر « كان » فعلا ماضيا من غير « قد » ، وادّعاء حذفها تكلّف لا حاجة إليه ، كذا استدلّ به الشيخ « 2 » ، ولا دليل فيه لاحتمال أن يكون « أَوْ جاءَ » عطفا على « كُنْتُمْ » تقديره : « وإن جاء أحد » ، وإليه ذهب أبو البقاء وهو أظهر من الأول ، واللّه أعلم . « مِنْكُمْ » في محلّ رفع لأنه صفة ل « أَحَدٌ » ، فيتعلق بمحذوف و « مِنَ الْغائِطِ » متعلّق ب « جاءَ » ، فهو مفعوله . وقرأ الجمهور : « الْغائِطِ » بزنة فاعل ، وهو المكان المطمئنّ من الأرض ، ثم عبّر به عن نفس الحدث كناية للاستحياء من ذكره ، وفرّقت العرب بين الفعلين منه ، فقالت : « غاط في الأرض » أي : ذهب وأبعد إلى مكان لا يراه فيه إلا من وقف عليه ، وتغوّط : إذا أحدث . وقرأ ابن مسعود : « من الغيط » ، وفيه قولان : أحدهما : - وإليه ذهب ابن جني - أنه مخفف من فيعل كهين وميت في : هيّن وميّت . والثاني : أنه مصدر على وزن فعل قالوا : غاط يغيط غيطا ، وغاط يغوط غوطا . وقال أبو البقاء : « هو مصدر « يغوط » فكان القياس « غوطا » فقلب الواو ياء وإن سكنت وانفتح ما قبلها لخفّتها » كأنه لم يطّلع على أنّ فيه لغة أخرى من ذوات الياء حتى ادّعى ذلك . وقرأ الأخوان هنا وفي المائدة « 3 » : « لمستم » والباقون : « لامَسْتُمُ » فقيل : « فعل » بمعنى فعل ، وقيل : لمس : جامع ، ولامس لما دون الجماع . وقوله : فَلَمْ تَجِدُوا الفاء عطفت ما بعدها على الشرط . وقال أبو البقاء : « على جاء » ، لأنه جعل « جاء » عطفا على « كُنْتُمْ » فهو شرط عنده » . والفاء في قوله « فَتَيَمَّمُوا » هي جواب الشرط ، والضمير في « تيمّموا » لكلّ من تقدّم من مريض ومسافر ومتغوّط وملامس أو لامس ، وفيه تغليب للخطاب على الغيبة ، وذلك أنه تقدّم غيبة في قوله : « أَوْ جاءَ أَحَدٌ » وخطاب في « كُنْتُمْ » و « لمستم » فغلّب الخطاب في قوله « كُنْتُمْ » وما بعده عليه . وما أحسن ما أتى هنا بالغيبة لأنه كناية عما يستحيا منه فلم يخاطبهم به ، وهذا من محاسن الكلام ، ونحوه : وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ « 4 » . و « وجد » هنا بمعنى « لقي » فتعدّت لواحد . و « صَعِيداً » مفعول به لقوله : « تيمموا » أي : اقصدوا ، وقيل : هو على إسقاط حرف أي : بصعيد ، وليس بشيء لعدم اقتباسه . و « بِوُجُوهِكُمْ » متعلّق ب « امسحوا » وهذه الباء تحتمل أن تكون زائدة ، وبه قال أبو البقاء ، ويحتمل أن تكون متعدية ، لأن سيبويه حكى : « مسحت رأسه وبرأسه » فيكون من باب : نصحته ونصحت له . وحذف المسموح به ، وقد ظهر في آية المائدة « 5 » في قوله « منه » فحمل عليه هذا .

--> ( 1 ) البيت من شواهد القرطبي ( 5 / 206 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 258 ) . ( 3 ) آية رقم ( 6 ) . ( 4 ) سورة الشعراء ، آية ( 80 ) ( 5 ) آية رقم ( 6 ) .